ورثة «دينغ شياو بينغ» في مواجهة الأميركي فوق إيران!
محمود القيسي
Saturday, 28-Feb-2026 07:11

دينغ شياو بينغ (22 آب 1904-19 شباط 1997) هو سياسي ومنظّر وقائد صيني فذ، حفظ عن ظهر قلب النظرية الصينية الأشهر «مسيرة الألف ميل تبدأ بالميل الأول». خلال رئاسته، قاد الصين (بين عامَي 1978 و1992) نحو تبنّي (اقتصاد السوق). وتولّى قيادة الحزب الشيوعي الصيني بعد الإطاحة بـ»هوا كو فينغ» خليفة الزعيم «ماو تسي تونغ». له نبوءة أسطورية بأنّ الصين تحتاج إلى نصف قرن لاستكمال عملية (التحديث والسيطرة السياسية والاقتصادية). كانت هذه النبوءة في عام 1978 عندما كانت الصين دولة غير متقدّمة في الكثير من المجالات والصناعات بين الدول والأمم. وبذلك سينتهي نصف القرن في العام 2028، أي بعد أقل من عامَين من الآن.

لحظة الصمت أعظم إن صدَقت أو حققت أهدافها من دون خسائر، وتحوّلت إلى «فخ» من دون أي إصابات تُذكر، كما هي حال الصين خلال هذه الأيام الوجودية في تفخيخ سياساتها بموضوع حرب على وشك الوقوع بين واشنطن وطهران في الشرق الأوسط. الصين لا ترى في سياساتها الملغومة في طهران خلال هذه المرحلة المتفجّرة، سوى مجرّد حليف أو أداة مغناطيسية لسحب القدرات الأميركية نحو مستنقع لا قرار له. فبكين تدرك أنّ لاستعادة تايوان يجب عليها إنهاك واشنطن في الشرق الأوسط عموماً والخليج العربي خصوصاً، ممّا يجعل التدخّل الأميركي لحماية تايوان مستحيلاً من الناحية العسكرية واللوجستية.

 

تعمل الصين بصمت لدخول أميركي في مواجهة كبرى مع إيران قبل منتصف 2027، وهو الموعد الصيني «المقدّس» لاستعادة تايوان. بكين ستعمل على إطالة أمد هذه الحرب واستنزاف المقدّرات الأميركية والمصالح الحيوية، لضمان وصول واشنطن لمرحلة «الإستهلاك الاستراتيجي» التي تمنعها من خوض مواجهة ثانية في بحر الصين الجنوبي.

في هذا السياق الصامت، حسبت بلاد التنّين، صاحبة اختراع أول آلة يدوية حاسبة، تكلفة الحملة الأميركية السابقة على اليمن التي استهلكت كمّيات ضخمة من الذخائر المتطوّرة، بما في ذلك الصواريخ الدقيقة والمدفعية بعيدة المدى، خلال فترة قصيرة جداً. كلّفت الأسلحة التي استُخدِمت ضدّ صواريخ ومسيّرات صنعاء، خزينة البنتاغون مليارات الدولارات، وفي غضون 3 أسابيع فقط، أُنفِق ما يعادل 200 مليون دولار على عمليات عسكرية لم تكن مؤثرة بالشكل المرضي للإدارة الأميركية آنذاك!

 

في عقلية أحفاد الفيلسوف والقائد العسكري «صن تزو»، فإنّ الحرب على إيران قد تخلق فجوة في المخزون الإستراتيجي، في وقت تحتاج فيه واشنطن إلى هذه الأسلحة لمواجهة الصين في المستقبل، يُضاف إلى ذلك قلق حلفاء أميركا في منطقة المحيط الهادئ، مثل اليابان وكوريا الجنوبية اللتان تعتمدان على الوجود العسكري الأميركي لضمان استقرارهما الأمني في مواجهة التوسع الصيني عالمياً.

هذا ما يدفع ورثة كونفوشيوس إلى الحرص على بقاء الاقتصاد الإيراني واقفاً عبر شراء النفط بشتى الطرق، سواء عبر بحر قزوين وروسيا أو براً عبر أفغانستان، لتجاوز أي إغلاق لمضيق هرمز. الهدف هو ضمان قدرة طهران على استمرار القتال، مع تزويدها بمكوّنات الوقود الصلب للصواريخ الباليستية لضمان دقّة استهداف القواعد الأميركية وتدمير أكبر قدر من بُنيَتها التحتية.

 

على هذه القواعد والمقاييس ستستمر بكين في تقديم الدعم الاستخباراتي والمعلومات الدقيقة بصمت، حول تمركزات القوات الأميركية في المنطقة، لتسهيل مهام القصف الإيرانية. الصين ترى في طموحات نتنياهو «فخاً قاتلاً» تنصبه إسرائيل لواشنطن، ممّا سيُتيح لشي جين بينغ التحرُّك نحو تايوان في هجوم خاطف لا يجد مَن يردّه لطَيْ صفحة الهيمنة الغربية عموماً والأميركية خصوصاً إلى الأبد.

في هذه الأوقات الصعبة، تعمل الصين بشكل خافت إلى حدود الصمت المريب، فيما ألقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطاب «حالة الإتحاد 2026» أمام جلسة مشتركة للكونغرس، مسجِّلاً رقماً قياسياً باعتباره أطول خطاب بمدّة تقلّ قليلاً عن ساعة و48 دقيقة، وأبرز النقاط في الخطاب، بحسب تلخيص وسائل إعلام أميركية ووكالة «أسوشيتد برس»، كانت:

• الإقتصاد: سعى إلى ترسيخ فكرة أنّ سياساته نجحت في تحقيق ازدهار غير مسبوق.

• الرسوم الجمركية: قدّمها كأداة مركزية لإعادة التوازن التجاري وتمويل الدولة.

• حِدَّة واضحة تجاه الديمقراطيِّين: حمّلهم مسؤولية المشكلات الإقتصادية والإجتماعية.

• ملف الهجرة: أكّد على نهج متشدِّد يربط أمن الحدود بحماية المواطنين.

• قضية نزاهة الانتخابات: كرّر ادّعاءاته حول انتشار المخالفات.

• السياسة الخارجية: تناول ملف إيران بنبرة تجمع بين الإنفتاح على التفاوض والإستعداد للتصعيد.

• إطلاق ما وصفه بـ«حرب على الاحتيال»: كلّف جي دي فانس بقيادة جهود لكشف التجاوزات في البرامج الحكومية.

• استخدام الرمزية الوطنية بكثافة.

• ما تجنّبه: لم ينتقد المحكمة العليا، ولم يشر إلى أحداث مينيابوليس ومقتل المواطنين.

• ردود الفعل: أثار مزيجاً من التفاؤل والتحدّي داخل وخارج البلاد.

في حين كشفت «وول ستريت جورنال» بأنّ «البنتاغون» أبدى مخاوف جدّية للرئيس دونالد ترامب بشأن تداعيات أي حملة عسكرية موسعة ضدّ إيران. عدا عن توعُّد طهران بردّ قاصم، ما يزيد من احتمالية انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة في حال تنفيذ أي هجوم عسكري.

 

خلال اجتماعات «البنتاغون» ومجلس الأمن القومي، قاد التحذيرات الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة. وأشار مسؤولون حاليّون وسابقون، إلى أنّ قادة عسكريِّين آخرين شاركوا كين مخاوفه، معتبرين أنّ تقديم تقديرات دقيقة للخسائر البشرية والتكاليف اللوجستية هو جزء أصيل من دور الأركان المشتركة قبل أي عملية عسكرية.

وتتراوح الخيارات العسكرية التي تدرسها الإدارة الأميركية ما بين: ضربات محدودة وأولية تستهدف منشآت محددة؛ وحملة جوية مطوّلة تستمر أياماً عدة بهدف تقويض النظام الإيراني.

 

ويعتبر المسؤولون أنّ الحملة المطوّلة تحديداً قد تؤدّي إلى نفاد مخزونات الذخائر الحيَوية وصواريخ الدفاع الجوي، ممّا قد يعوق حماية الشركاء الإقليميين من ردّ فعل إيراني، ويؤثر على الجاهزية الأميركية لأي صراع مستقبلي محتمل مع الصين.

الأكثر قراءة